النويري
42
نهاية الأرب في فنون الأدب
أغنّى سرّا ، ففهمننى ودخلن علىّ وقلن : قد علمنا ما تكتمين وأقسمن علىّ ؛ فرفعت صوتي وغنيّتهن بشعر زهير بن أبي سلمى : وما ذكرتك إلا هجت لي طربا إنّ المحبّ ببعض الأمر معذور ليس المحبّ كمن إن شطَّ غيّره هجر الحبيب ، وفى الهجران تغيير فحينئذ شاع أمرى وظهر ذكرى وقصدنى الناس وجلست للتعليم ؛ فكان الجواري يكثرن عندي ، وربما انصرف أكثرهن ولم يأخذن شيئا سوى [ 1 ] ما سمعننى أطارح غيرهن ، وقد كسبت لموالىّ ما لم يخطر لهم ببال ، وأهل [ 2 ] ذلك كانوا وكنت . وقد أقرّ لجميلة كلّ مكىّ ومدنىّ من المغنّين . قال : ولما قدم ابن سريح والغريض وابن مسجح وسلم بن محرز المدينة واجتمعوا هم ومعبد وابن عائشة حكَّموها بينهم ؛ واجتمعوا عندها ، وصنع كل منهم صوتا وغناه بحضرتها - وقد ذكر الأصفهانىّ الأصوات - فلما سمعت الأصوات قالت : كلَّكم محسن مجيد في غنائه ومذهبه . قال ابن عائشة : ليس هذا بمقنع . قالت : أمّا أنت يا أبا يحيى فتضحك الثّكلى بحسن صوتك ومشاكلته النفوس . وأمّا أنت يا أبا عبّاد فنسيج وحده بتأليفك [ 3 ] وحسن نظمك وعذوبة غنائك . وأمّا أنت يا أبا عثمان فلك أوّليّة هذ الأمر وفضله . وأمّا أنت يا أبا جعفر فمع الخلفاء تصلح . وأمّا أنت يا أبا الخطَّاب فلو قدّمت أحدا على نفسي لقدّمتك . وأمّا أنت يا مولى العبلات فلو ابتدأت قدّمتك عليهم . ثم سألوها جميعا أن تغنّيهم لحنا كما غنّوا ، فغنّتهم ، فكلهم أقرّوا لها وفضّلوها . وكانت جميلة قد آلت أنها لا تغنّى أحدا إلا في منزلها . فكان عبد اللَّه بن جعفر
--> [ 1 ] كذا في الأغانى . وفى الأصل : « ولم يأخذن شيئا مما سمعننى » . [ 2 ] كذا في الأغانى . وفى الأصل : « وأصل » . [ 3 ] في الأغانى : « بجودة تأليفك » .